يحيي بن حمزة العلوي اليمني
131
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وَأَعْناباً ( 32 ) وَكَواعِبَ أَتْراباً ( 33 ) وَكَأْساً دِهاقاً ( 34 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً ( 35 ) [ النبأ : 31 - 35 ] وقوله تعالى : وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً ( 12 ) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً ( 13 ) وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا ( 14 ) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا ( 15 ) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً ( 16 ) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا ( 17 ) عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ( 18 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً ( 19 ) [ الإنسان : 12 - 19 ] ثم قال عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ( 21 ) [ الإنسان : 21 ] وقوله تعالى في سورة الرحمن فإنه أوجز أولا ، ثم أطنب في وصف الجنة ، فقال في الإيجاز وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ( 46 ) [ الرحمن : 46 ] ثم قال فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ ( 52 ) [ الرحمن : 52 ] ثم أطنب بعد ذلك بقوله مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ ( 54 ) [ الرحمن : 54 ] ثم قال بعد ذلك مُدْهامَّتانِ ( 64 ) . . . فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ ( 66 ) [ الرحمن : 64 ، 66 ] وقال : فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ ( 50 ) [ الرحمن : 50 ] وقال فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ( 68 ) [ الرحمن : 68 ] ثم قال حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ ( 72 ) [ الرحمن : 72 ] وقال فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ( 70 ) [ الرحمن : 70 ] ثم قال مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ ( 76 ) [ الرحمن : 76 ] فهذه كلها أوصاف جارية على جهة الإطناب ، فأما الإيجاز في صفة أهل النار فقوله تعالى : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 74 ) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ( 75 ) [ الزخرف : 74 - 75 ] وقوله تعالى : إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 47 ) [ القمر : 47 ] إلى غير ذلك مما يدل على الهوان من جهة الإجمال ، وأما الإطناب فكقوله تعالى : وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ ( 103 ) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ ( 104 ) [ المؤمنون : 103 - 104 ] وقوله تعالى : فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ ( 19 ) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ ( 20 ) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ( 21 ) [ الحج : 19 - 21 ] وهكذا القول في الإيمان والكفر ، وصفة المؤمنين والكفار ، فإنه قد ورد في حقهم الإيجاز والإطناب ، وهو ظاهر لا يحتاج فيه إلى التكثير ، فأما التطويل ، فكتاب الله تعالى منزه عنه ، لكونه تكثيرا من غير فائدة مستجدة ، ومثاله لو أريد وصف بستان يتضمن فواكه ، لقيل فيه الرمان الذي ورقه أخضر مستطيل وله قضبان لدنة لها شجون وفنون مشتملة على حب مدور في وسطها أعطاف مشحونة ببنادق حمر إلى غير ذلك ، فما هذا حاله يعد من التطويل الذي لا ثمرة له ولا فائدة تحته .